هذه الدراسة قدمها الكاتب الى مؤتمر القدس المنعقد في جامعة الاستقلال – أريحا بتاريخ 27 و28 نيسان/ ابريل 2013 بتنظيم وإشراف جامعتي القدس والاستقلال معا

الانتهاكات الإسرائيلية في القدس بموجب القانون الإنساني الدولي

سفير. نبيل الرملاوي

باحث في القانون الدولي

مستشار- مفوضية العلاقات الدولية

نيسان/ابريل 2013

القانون الدولي الإنساني

يمكن القول بان القانون الدولي الإنساني هو :

1- مجموعة الاتفاقيات الدولية المبرمة في لاهاي والمتعلقة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية لعام 1907 .

2- اتفاقيات جنيف، ويقصد بها مجموع قواعد القانون الدولي الإنساني المتعلقة بحماية ضحايا المنازعات المسلحة ، مثل جرحى ومرضى وغرقى القوات المتحاربة ، أو الأسرى ، أو السكان المدنيين المتواجدين في نطاق العمليات الحربية او فرق الإغاثة ، وأفراد الطواقم الطبية الذين يقومون بمهمة البحث عن الجرحى والمرضى، أو تقديم الرعاية والعناية الطبية للمرضى والسكان المدنيين.

تعريف القانون الدولي  الإنساني

        يقول الدكتور محمد المجذوب في كتابه القانون الدولي العام (ص726) تحت عنوان تعريف القانون الدولي الإنساني وجذوره التاريخية ما يلي:

        (القانون الدولي الإنساني هو ذلك الجزء المهم من القانون الدولي العام الذي يستلهم الشعور الإنساني ويهدف الى حماية الإنسان في أوقات الحروب والنزاعات المسلحة),  وقد تبنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر تعريفا اعتبرت فيه أن هذا القانون يتكون من ” مجموعة القواعد الدولية المستمدة من الاتفاقيات والأعراف التي تهدف بشكل خاص، الى تسوية المشكلات الإنسانية الناجمة بصورة مباشرة عن النزاعات المسلحة الدولية أو غير الدولية، والتي تقيد لأسباب إنسانية حق أطراف النزاع في استخدام أساليب الحرب وطرقها التي تروق لها، أو تحمي الأشخاص والأملاك المعرضين أو الذين يمكن أن يتعرضوا لأخطار النزاع”.

أهداف القانون الدولي الإنساني

        يهدف القانون الدولي الإنساني الى تكريس الحماية للفئات المذكورة في اتفاقيات جنيف الأربعة والمحمية وفق أحكام هذه الاتفاقيات، من خلال إلزام القوات المتحاربة، وقوات الاحتلال بواجب الامتناع عن القيام بأفعال محددة كحظر إخضاعهم للعقوبات الجماعية، وحظر القيام بهدم وتدمير المنازل والممتلكات (منازلهم وممتلكاتهم) وحظر إخضاعهم للمعاملة الحاطة بالكرامة، وحظر إخضاعهم للتعذيب وغيره من الممارسات اللاانسانية، وحظر وضع السكان في ظروف معيشية صعبة، وحظر الانتقام منهم. وتنظم قواعد القانون الدولي الإنساني المتعلقة بالمباديء المذكورة مجموعة  الاتفاقيات التالية:

_  اتفاقية لاهاي المتعلقة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية لعام 1907

_اتفاقيات جنيف الأربعة المبرمة في 12 آب/أغسطس عام 1949 وهي:-

!-اتفاقية جنيف الأولى المعنية بحماية جرحى ومرضى القوات المسلحة في الميدان.

2-اتفاقية جنيف الثانية المعنية بحماية جرحى ومرضى وغرقى القوات المسلحة في البحار.

3-  اتفاقية جنيف الثالثة المعنية بأسرى الحرب.

4-اتفاقية جنيف الرابعة المعنية بحماية السكان المدنيين وقت الحرب.

5-بروتوكول جنيف الأول المكمل لاتفاقيات جنيف الأربعة والمتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة المبرم عام 1977.

6-  القانون الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية.

أهم مباديء القانون الدولي الإنساني

1-احترام الحق في الحياة

2-  حماية كرامة الإنسان وضمان سلامته خلال المنازعات المسلحة.

3-التمييز بين المدنيين والمحاربين        .

4-التقليل من ويلات ومعاناة الإنسان في النزاعات المسلحة.

5-التمييز بين الأعيان والممتلكات المدنية المحمية، والأعيان العسكرية.

6- احترام مبدأ المساواة في الحقوق، وحظر التمييز بين البشر خلال المنازعات المسلحة.

7-احترام البيئة الطبيعية والمحافظة عليها.

8-حظر التعذيب والعقوبات الجماعية.

9-ضمان حق الخصم بالمحاكمة العادلة .

10-تحديد وتعريف جرائم الحرب الناشئة عن ممارسات الاحتلال.

المخالفات (الانتهاكات) الجسيمة في القانون الدولي الإنساني

اتفاقية لاهاي لعام 1907

        حظرت هذه الاتفاقية والمكونة من 56 مادة الأعمال التالية خلال العمليات الحربية وفي أراضي العدو:

        السم، القتل، الجرح، استخدام الأسلحة المسببة لآلام لا مبرر لها، تدمير الممتلكات أو حجزها، مهاجمة أو قصف المدن والقرى والمساكن والمباني غير المحمية، الهجوم على أماكن العبادة والعلوم والفنون والأماكن الأثرية، ثم حرمت فرض العقوبات الجماعية، وأكدت على احترام شرف الأسرة وحقوقها، وحياة الأشخاص والملكية الخاصة، وكذلك المعتقدات والشعائر الدينية وعدم جواز مصادرة الملكية الخاصة..

اتفاقيات جنيف الأربعة المعقودة في 12 آب/أغسطس 1949

        حددت اتفاقيات جنيف الأربعة المخالفات الجسيمة وفقا للمادة 50 من الاتفاقية الأولى المتعلقة بتحسين حال الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في الميدان، والمادة 147 من الاتفاقية الرابعة الخاصة بحماية المدنيين في زمن الحرب كما يلي:- (المخالفات الجسيمة هي التي تتضمن أحد الأفعال التالية إذا اقترفت ضد أشخاص محميين، أو ممتلكات محمية بالاتفاقية ” القتل العمد، التعذيب، أو المعاملة اللاانسانية بما في ذلك التجارب الخاصة بعلم الحياة، وتعمد إحداث آلام شديدة،أو الإضرار الخطير بالسلامة البدنية، أو الصحة، والنفي، أو النقل غير المشرع، والحجز غير المشروع  وإكراه الشخص المحمي على الخدمة في القوات المسلحة بالدولة المعادية ، أو حرمانه من حقه في أن يحاكم بصورة قانونية وغير متحيزة وفقا للتعليمات الواردة في هذه الاتفاقية، وأخذ الرهائن، وتدمير واغتصاب الممتلكات على نحو لا تبرره ضرورات حربية وعلى نطاق واسع بطريقة غير مشروعة وتعسفية.)(1)

 من المخالفات الجسيمة أيضا ما أوردته المادة 49  من الاتفاقية الرابعة بخصوص نقل السكان، حيث تنص المادة على ما يلي: -

“يحظر النقل الجبري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين أو نفيهم من الأراضي المحتلة الى أراضي دولة الاحتلال، أو الى أراضي دولة أخرى محتلة أو غير محتلة، أيا كانت دواعيه”. ثم تنص نفس المادة على ما يلي:-” لا يجوز لدولة الاحتلال أن ترحل أو تنقل جزءا من سكانها المدنيين الى الأراضي التي تحتلها”.(2)

        فبينما حظرت الاتفاقية نقل سكان دولة الاحتلال الى الأراضي التي تحتلها وفقا للمادة 49 من الاتفاقية، وضع البروتوكول الأول الملحق بالاتفاقيات الأربعة، وهو المكمل لها هذا العمل بوضوح ضمن الأعمال التي تشكل جرائم حرب وفق أحكام الفقرة 4 من المادة 85 من مواد البروتوكول المذكور التي نصت على: ( تعد الأعمال التالية فضلا عن الانتهاكات الجسيمة المحددة في الفقرات السابقة، وفي الاتفاقيات بمثابة انتهاكات جسيمة لهذا أللحق ” البروتوكول إذا اقترفت عن عمد، مخالفة للاتفاقيات أو أللحق ” البروتوكول”.)(3)

أ_قيام دولة الاحتلال      بنقل بعض سكانها المدنيين الى الأراضي التي تحتلها، أو ترحيل أو نقل كل أو بعض سكان الأراضي المحتلة داخل نطاق تلك الأراضي أو خارجها، مخالفة للمادة 49 من الاتفاقية الرابعة الخ.

فقرة 5_  تعد الانتهاكات الجسيمة للاتفاقيات ولهذا أللحق” البروتوكول”  بمثابة جرائم حرب وذلك مع عدم الإخلال بتطبيق هذه المواثيق.

العقوبات الجماعية

         حظرت المادة 33 من الاتفاقية الرابعة العقوبات الجماعية، وبالمثل جميع تدابير التهديد أو الإرهاب، كما حظرت تدابير الاقتصاص من الأشخاص المحميين وممتلكاتهم.(4)

        كما حظرت المادة 53 من الاتفاقية أعمال التدمير حيث جاء في هذا السياق “يحظر على دولة الاحتلال أن تدمر أي ممتلكات خاصة ثابتة أو منقولة تتعلق بأفراد أو جماعات أو بالدولة أو بالسلطات العامة.(5)

عمليات الإخلاء ألقسري وهدم المنازل في القدس الشرقية كنموذج من العقوبات الجماعية

        تواجه القدس الشرقية، بصفة خاصة، موجة من أوامر الهدم الجديدة، فمنذ عام 1967، امتنعت إسرائيل عن تمكين الفلسطينيين المقيمين في القدس الشرقية من التخطيط العمراني الكافي لمجاراة النمو السكاني الطبيعي. وبينما يواجه الفلسطينيون عقبات كبيرة للبناء بشكل قانوني على ما نسبته 13% من مساحة القدس الشرقية المخصصة لأعمال البناء الفلسطينية، فقد تكاثرت المستوطنات الإسرائيلية على مساحة تبلغ نسبتها 35% من الأراضي التي صودرت من الفلسطينيين على نحو يشكل مخالفة للقانون الدولي. وقد أسفر هذا الوضع عن أزمة سكن بالنسبة للسكان الفلسطينيين، وهي أزمة تتميز بنقص في المساكن. وعمليات بناء غير قانونية على نطاق واسع في القدس الشرقية، وما يترتب على ذلك من قيام إسرائيل بهدم هذه المباني الفلسطينية  بزعم انها”غير القانونية”. (6)

حماية الأعيان الثقافية وأماكن العبادة في اتفاقية لاهاي لعام 1907 وفي البروتوكول الأول الملحق باتفاقيات جنيف الأربعة

     حظرت المواد 2، و3، و4، و5 من اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح من تعريض هذه الممتلكات الى أي نوع من أنواع الاعتداء وأكدت على ضرورة  المحافظة عليها.           

        كما حظرت المادة 53 من البروتوكول أللحق الأول الملحق باتفاقيات جنيف الأربعة، من الأعمال العدائية الموجهة ضد الآثار التاريخية، أو الأعمال الفنية، أو أماكن العبادة التي تشكل التراث الثقافي أو الروحي للشعوب.(7)

الأعمال المذكورة أعلاه تشكل جرائم حرب

        وفقا للمادة 85 من البروتوكول أللحق الأول المكمل للاتفاقيات فان هذه الأعمال المذكورة تشكل جرائم حرب باعتبارها من الانتهاكات الجسيمة المعرفة في البروتوكول المذكور.(8)                                                                                                                     

 الانتهاكات الجسيمة في القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني،

        التقت كل من اتفاقية جنيف الرابعة والمعنية بحماية المدنيين في زمن الحرب المعقودة عام 1949، والبروتوكول الأول الملحق بها المعتمد من المؤتمر الدبلوماسي لعام 1977، واتفاقية لاهاي لعام 1907، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ومباديء القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية بين الدول على تحديد وتعريف الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي العام، والقانون الدولي الإنساني وما يتصل بنفس الموضوع في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كما يلي:-

(القتل العمد، والتعذيب أو المعاملة اللاانسانية، بما في ذلك التجارب الخاصة بعلم الحياة، وتعمد إحداث آلام شديدة، أو الإضرار الخطير بالسلامة البدنية أو الصحة، والنفي أو النقل غير المشروع، والحجز غير المشروع، وإكراه الشخص المحمي على الخدمة في القوات المسلحة بالدولة المعادية، أو حرمانه من حقه في أن يحاكم بصورة قانونية وغير متحيزة وفقا للتعليمات الواردة في هذه الاتفاقية، وأخذ الرهائن، وتدمير واغتصاب الممتلكات على نحو لا تبرره ضرورة حربية وعلى نطاق كبير بطريقة غير مشروعة وتعسفية) (9)

        غير أن هذه الانتهاكات المحددة بالانتهاكات الجسيمة لا تشمل جميع الانتهاكات، وهذا يعني أن هناك انتهاكات قد ترتكب بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي العام، وقانون حقوق الإنسان، كالاعتداء على ألاماكن ذلت الطابع الديني كالمقابر، وعلى أماكن العبادة، والأماكن الثقافية والمستشفيات على سبيل المثال، (10)  كما يجري في مدينة القدس منذ احتلالها عام 1967، ولذلك أرى أن لا نغفل في هذه المناسبة تلك الانتهاكات التي تنضوي تحت مباديء وأحكام قانون حقوق الإنسان والقوانين الأخرى الى جانب ما ترتكبه قوات الاحتلال الإسرائيلي من انتهاكات بموجب القانون الدولي الإنساني، وسنفعل ذلك في هذه المداخلة بما يسمح به الوقت المحدد. ونعزيه لسببين اثنين.

السبب الأولهو أننا عندما نتحدث عن الانتهاكات الإسرائيليةفي القدس لا يستقيم الأمر إذا تحدثنا عن نوع معين من الانتهاكات الجسيمة مثلا، وتركنا الانتهاكات الأخرى التي لا تدخل ضمن الانتهاكات الجسيمة ولكنها في نفس الوقت هي انتهاكات سواء كانت لمباديء القانون الدولي أو القانون الدولي الإنساني أو لشرعة حقوق الإنسان.

السبب الثانيهو أن القانون الدولي الإنساني قد أصبح مع تعاظم أهميته جزءا من القانون الدولي العام، ولذلك فان الحديث عن الانتهاكات الإسرائيلية بموجب القانون الدولي الإنساني، هي في نفس الوقت انتهاكات لمباديء القانون الدولي وأحكامه، وما دام الأمر يتعلق بالقدس فهو بالتالي يتعلق بحالة نشأت عن الاحتلال الإسرائيلي لمدينة القدس ولفلسطين كلها عن طريق القوة والعمل الحربي عام 1967 ، بما يتعارض مع مباديء القانون الدولي التي لا تجيز اكتساب الأرض عن طريق الحرب (11).

الوضع القانوني لمدينة القدس

مجلس الأمن والجمعية العامة يؤكدان انطباق اتفاقية جنيف الرابعة انطباقا قانونيا على الأرض الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967 بما في ذلك القدس

العمل العدواني ينطبق على احتلال إسرائيل لمدينة القدس وباقي الأرض المحتلة

        عرفت الجمعية العامة العدوان بتاريخ 14 كانون الأول/ديسمبر1974، وقد جاء في المادة 3 من التعريف المذكور ما يلي: – تنطبق صفة العمل العدواني على أي من الأعمال التالية، سواء بإعلان حرب أو بدونه:

(أ) قيام القوات المسلحة لدولة ما بغزو إقليم دولة أخرى أو الهجوم عليه، أو أي احتلال عسكري ، ولو مؤقتا، ينجم عن مثل هذا الغزو أو الهجوم، أو أي ضم لإقليم دولة أخرى أو لجزء منه باستعمال القوة. الخ.

        وقد جاء في إعلان مباديء القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقا لميثاق الأمم المتحدة ما يلي: “وتشكل الحرب العدوانية جريمة ضد السلم تترتب عليها مسئولية بمقتضى القانون الدولي.

مباديء القانون الدولي تحرم الاحتلال العسكري لأي إقليم أو اكتساب ارض الغير بالقوة

تضمنت مباديء القانون الدولي المشار أليها أعلاه مادة تقول:” لا يجوز إخضاع إقليم أية دولة لاحتلال عسكري ناجم عن استعمال القوة خلافا لأحكام الميثاق. ولا يجوز اكتساب إقليم أية دولة من قبل دولة أخرى نتيجة للتهديد باستعمال القوة أو لاستعمالها. ولا يجوز الاعتراف بشرعية أي اكتساب إقليمي ناتج عن التهديد باستعمال القوة أو استعمالها”.

         هكذا وقعت مدينة القدس كباقي الأرض الفلسطينية تحت الاحتلال الإسرائيلي اثر الحرب عام 1967، في انتهاك صارخ لمباديء القانون الدولي وأحكام الميثاق. وعملت إسرائيل منذ احتلالها لمدينة القدس بكاملها سنة 1967 على التصرف كصاحبة السيادة على المدينة، وبدأت تسن القوانين وتشريعات ضم القدس إليها.

إسرائيل تستهدف الوضع الجغرافي الديمغرافي والمؤسسي لمدينة القدس بهدف  تهويد المدينة

         وبسبب إصدار القوانين والتشريعات التي تساعد إسرائيل على إحكام قبضتها على مدينة القدس والأعمال التي  استهدفت الوضع الجغرافي والديمغرافي والمؤسسي لمدينة القدس منذ اليوم الأول لاحتلالها، اهتمت الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن بما يجري فيها من ممارسات خطيرة وانتهاكات جسيمة لمباديء القانون الدولي  والقانون الدولي الإنساني، فاتخذ كل من مجلس الأمن والجمعية العامة، القرارات التي ترفض وتشجب وتدين الإجراءات الإسرائيلية في المدينة بدءا من العرض العسكري الإسرائيلي التي أقامته إسرائيل في المدينة عام 1968،(12) ثم قرار حكومة إسرائيل بفرض القانون الأساسي على القدس وضمها الى إسرائيل واعتبارها عاصمة لها، وصولا الى التغييرات الجغرافية والديمغرافية فيها ، وإقامة المستوطنات الإسرائيلية حولها لعزلها عن محيطها الفلسطيني. هذا وقد أكدت معظم هذه القرارات بطلان الإجراءات الإسرائيلية في المدينة المقدسة وانطباق أحكام اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين في زمن الحرب والمعقودة عام 1949 على الأرض الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل عام 1967 بما فيها القدس.  

نماذج من قرارات مجلس الأمن بخصوص الانتهاكات الإسرائيلية لأحكام وقواعد القانون الإنساني الدولي في القدس

        منذ عام 1967 أصدر مجلس الأمن قرارات عديدة أكدت انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 بما فيها القدس ، وكذلك فعلت الجمعية العامة ، ولجنة حقوق الإنسان في دوراتهما المختلفة عند بحث الممارسات الإسرائيلية التي تنتهك حقوق الإنسان ومباديء القانون الدولي في الأرض الفلسطينية المحتلة، ولقد عالج مجلس الأمن  والجمعية العامة في كثير من الأحيان تلك الانتهاكات التي وصفتها اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين في وقت الحرب بأنها انتهاكات جسيمة لأحكام الاتفاقية، وعرفها البروتوكول الأول الملحق بالاتفاقية بأنها تمثل جرائم حرب (13).

1_ القرار رقم 252 لسنة 1968 جاء فيه:

_  يشجب فشل إسرائيل في الامتثال لقرارات الجمعية العامة.

_  يعتبر أن جميع الإجراءات الإدارية والتشريعية وجميع الأعمال التي قامت بها إسرائيل بما في ذلك مصادرة الأراضي والأملاك التي من شأنها أن تؤدي الى تغيير في الوضع القانوني للقدس.

_  يدعو إسرائيل بإلحاح الى أن تبطل هذه الإجراءات، وأن تمتنع فورا عن القيام بأي عمل آخر من شأنه أن يغير وضع القدس.

2_   القرار رقم 267 بتاريخ 3 تموز/يوليو1969 جاء فيه:

_  يؤكد قراره السابق رقم 252 لسنة 1968

_يأسف لفشل “إسرائيل” في أن تظهر أي احترام لقرارات مجلس الأمن  والجمعية العامة المذكورة أعلاه.

_  يشجب بشدة جميع الإجراءات المتخذة لتغيير وضع مدينة القدس.

_يؤكد أن جميع الإجراءات التشريعية والإدارية والأعمال التي اتخذتها إسرائيل من أجل تغيير وضع مدينة القدس بما في ذلك مصادرة الأراضي والممتلكات هي أعمال باطلة ولا يمكن أن تغير وضع القدس.

_يدعو بإلحاح “إسرائيل” مرة أخرى، الى أن تبطل جميع الإجراءات التي تؤدي الى تغيير وضع مدينة القدس، كما يطلب منها أن تمتنع من اتخاذ أي إجراءات مماثلة في المستقبل.

3 القرار رقم 271 لسنة 1969

   كما اعتمد المجلس القرار رقم 271 لسنة1969 جاء فيه:

_  يؤكد قراره رقم 252 لعام 1968، والقرار رقم 267لعام 1969.

_يعترف بأن أي تدمير أو تدنيس للأماكن المقدسة أو المباني أو المواقع الدينية في القدس، وأن أي تشجيع أو تواطؤ للقيام بعمل كهذا يمكن أن يهدد بحدة الأمن والسلام الدوليين.

_يقرر أن العمل المقيت لتدنيس المسجد الأقصى يؤكد الحاجة الملحة أن تمتنع إسرائيل عن خرق القرارات المذكورة أعلاه، وأن جميع الإجراءات والأعمال التي اتخذتها لتغيير وضع القدس تعتبر باطلة.

_  يدعو إسرائيل الى التقيد بدقة بنصوص اتفاقيات جنيف وبالقانون الدولي، كما يدعوها الى الامتناع عن إعاقة المجلس الإسلامي الأعلى في القدس عن القيام بمهماته، بما في ذلك أي تعاون يطلبه ذلك المجلس من دول أكثرية شعوبها من المسلمين أو من مجتمعات إسلامية بما يتعلق بخططها من أجل صيانة وإصلاح الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس.

 

-يدين عدم انصياع إسرائيل للقرارات آنفة الذكر ويدعوها الى تنفيذ نصوص هذه القرارات.

_  يكرر تأكيد الفقرة التنفيذية السابعة من القرار رقم 267 لعام 1969والقائلة انه في حال إجابة إسرائيل سلبا أو حال عدم إجابتها على الإطلاق سيعود مجلس الأمن الى الاجتماع دون عائق لينظر في الخطوات التي يمكن أن يتخذها في هذا الشأن.

4_   القرار رقم 298

مرة أخرى انعقد مجلس الأمن في 25 سبتمبر 1971 واتخذ القرار رقم 298، جاء فيه: 

_  يؤكد مجددا قراريه رقم 252 لعام 1968 و رقم 267 لعام 1969

_يأسف لأن إسرائيل تخلفت عن احترام القرارات السابقة التي اتخذتها الأمم المتحدة فيما يتعلق بإجراءات وأعمال إسرائيل التي تؤدي الى التأثير على وضع مدينة القدس.

_يؤكد بأوضح العبارات الممكنة، أن جميع الأعمال التشريعية والإدارية التي قامت بها إسرائيل لتغيير وضع مدينة القدس ومن ضمنها مصادرة الأراضي والممتلكات، ونقل السكان، والتشريع الذي يهدف الى ضم القطاع المحتل،  لاغية كليا ولا يمكن أن تغير ذلك الوضع.

_يدعو إسرائيل بإلحاح، الى إلغاء جميع الإجراءات والأعمال السابقة والى اتخاذ خطوات أخرى في القطاع المحتل من القدس الذي قد يفهم منه تغيير وضع المدينة أو قد يجحف بحقوق السكان العرب وبمصالح المجموعة الدولية.

5_  القرار رقم 476 لسنة 1980 وجاء فيه:

-   يؤكد من جديد الضرورة الملحة لإنهاء الاحتلال المطول للأراضي التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967 بما في ذلك القدس.

-  يشجب بشدة استمرار إسرائيل بصفتها القوة المحتلة، في رفض التقيد بقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة ذات العلاقة.

-  يؤكد مجددا أن جميع الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل القوة المحتلة والرامية الى تغيير معالم مدينة القدس الشريف ووضعها، ليس لها أي مستند قانوني وتشكل خرقا فاضحا لاتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين في زمن الحرب، كما تشكل عقبة جدية أمام تحقيق سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط.

-يؤكد أن كل هذه الإجراءات التي غيرت معالم مدينة القدس الشريف ووضعها الجغرافي والسكاني والتاريخي هي إجراءات باطلة أصلا ويجب إلغاؤها وفقا لقرارات مجلس الأمن ذات العلاقة.

-  يدعو بإلحاح إسرائيل القوة المحتلة الى التقيد بهذا القرار وقرارات مجلس الأمن السابقة، والى التوقف عن متابعة السياسة والاجراءات التي تمس معالم مدينة القدس الشريف ووضعها.

-يؤكد مرة أخرى تصميمه في حال عدم تقيد إسرائيل بهذا القرار على دراسة السبل والوسائل العملية وفقا للأحكام ذات العلاقة الواردة في ميثاق الأمم المتحدة لضمان التنفيذ الكامل لهذا القرار  

6_  القرار 478 لسنة 1980 جاء فيه :

_يلوم أشد اللوم مصادقة إسرائيل على القانون الأساسي بشأن القدس ورفضها التقيد بقرارات مجلس الأمن ذات العلاقة.

_يؤكد أن مصادقة إسرائيل على “القانون الأساسي” تشكل انتهاكا للقانون الدولي، ولا تؤثر على استمرار تطبيق اتفاقية جنيف الرابعة الموقعة في 12 آب/أغسطس 1949، والمتعلقة بحماية المدنيين في زمن الحرب على الأراضي الفلسطينية، وغيرها من الأراضي العربية التي تحتلها “إسرائيل” منذ عام 1967 بما في ذلك القدس.

_يقرر أن جميع الإجراءات والأعمال التشريعية والإدارية التي اتخذتها “إسرائيل” القوة المحتلة، والتي غيرت من شأن القدس هي إجراءات باطلة أصلا ويجب إلغاؤها.

_  يؤكد أيضا أن هذا العمل يشكل عقبة جدية أمام تحقيق سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط.

_  يقرر عدم الاعتراف ب” القانون الأساسي” وغيره من أعمال إسرائيل التي تستهدف نتيجة لهذا القرار تغيير معالم القدس ووضعها، ويدعو جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة الى:

أ-  قبول هذا القرار

ب-دعوة الدول التي أقامت بعثات دبلوماسية لها في القدس الى سحب هذه البعثات من المدينة المقدسة.

(إسرائيل رفضت جميع القرارات المذكورة لعلاه)

الجمعية العامة والانتهاكات الإسرائيلية في القدس ومحيطها

نماذج من قرارات الجمعية العامة ذات الصلة

        أصدرت الجمعية العامة العديد من القرارات المتعلقة بمدينة القدس والتي لا تقل أهمية عن قرارات مجلس الأمن المذكورة أعلاه وذلك بدءا من قرارها رقم 2253 لسنة1967 والذي أدانت فيه ضم إسرائيل للقدس، ورقم 2254 لسنة 1967، واستمرت بالتعامل مع مسألة فلسطين بما فيها القدس من خلال دوراتها العادية والاستثنائية الخاصة والتي تصدر بشأنها القرارات التي تعالج الانتهاكات الإسرائيلية الى يومنا هذا، وقد اشتمل معظمها على رفض الإجراءات التي اتخذتها حكومات إسرائيل،   والتي من شأنها تغيير الطابع الجغرافي الديمغرافي والمؤسسي في القدس، واعتبار تلك الإجراءات باطلة وكأنها لم تكن، وتطلب من إسرائيل التوقف عن مثل هذه الأعمال لكونها تتعارض مع أحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. كما أكدت الجمعية العامة في معظم قراراتها المذكورة انطباق أحكام اتفاقية جنيف الرابعة على الأرض الفلسطينية انطباقا قانونيا، على غرار ما فعله مجلس الأمن، وطالبت إسرائيل في جميع قراراتها ذات الصلة ، بالوفاء بالتزاماتها الدولية وتطبيق أحكام الاتفاقية المذكورة على الأرض  الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل منذ عام 1967، إلا أن إسرائيل كانت وما زالت ترفض ذلك حتى يومنا هذا كما ترفض التعامل مع قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بفلسطين والقدس رفضا قاطعا .

فيما يلي نموذج من قرارات الجمعية العامة

قرار رقم 60/106 بتاريخ 8 كانون الأول /ديسمبر 2005

_  تؤكد من جديد أن المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية، بما فيها القدس الشرقية، وفي الجولان السوري المحتل، غير قانونية وتشكل عقبة أمام السلام والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

_   تطلب من إسرائيل أن تقبل انطباق اتفاقية جنيف المتعلقة بحماية المدنيين في زمن الحرب المؤرخة 12/ آب/أغسطس 1949، بحكم القانون على الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية، وعلى الجولان السوري المحتل، وأن تلتزم بدقة بأحكام الاتفاقية، وخاصة المادة 49 منها.

_   تطلب الى إسرائيل السلطة القائمة بالاحتلال أن تتقيد في هذا الصدد تقيدا دقيقا بالتزاماتها بموجب القانون الدولي، بما في ذلك القانون الإنساني الدولي، إزاء تغيير طابع ووضع الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية.

_  تشدد على ضرورة قيام الطرفين بشكل عاجل بتسوية جميع المسائل المتبقية في قطاع غزة بما في ذلك إزالة الأنقاض.

_تكرر مطالبتها بوقف تام وفوري لجميع أنشطة الاستيطان الإسرائيلية في جميع أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وفي الجولان السوري المحتل، وتدعو الى تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة تنفيذا كاملا.

_      تطالب إسرائيل السلطة القائمة بالاحتلال، بان تتقيد بالتزاماتها القانونية المذكورة في الفتوى الصادرة في 9تموز/يوليو2004 عن محكمة العدل الدولية.

 

_  تؤكد ضرورة التنفيذ التاملقرار مجلس الأمن 904 (1994) الذي طلب فيه المجلس، ضمن جملة أمور الى إسرائيل السلطة القائمة بالاحتلال مواصلة اتخاذ وتنفيذ تدابير تشمل مصادرة الأسلحة، بهدف منع أعمال العنف غير المشروعة التي يقوم بها المستوطنون الإسرائيليون، ودعا الى اتخاذ تدابير لضمان سلامة المدنيين الفلسطينيين وحمايتهم في الأرض المحتلة.

_تكرر دعوتها الى منع جميع أعمال العنف التي يقوم بها المستوطنون الإسرائيليون ولا سيما ضد المدنيين الفلسطينيين، والممتلكات الفلسطينية، وبخاصة في ضوء التطورات الأخيرة  (14)

(إسرائيل رفضت جميع قرارات الجمعية العامة المتعلقة بالقدس)

الدول الأطراف السامية في اتفاقية جنيف الرابعة تؤكد انطباق أحكام اتفاقية جنيف الرابعة على الأرض الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967 بما في ذلك القدس ويطالبون إسرائيل بالامتثال لإرادة المجتمع الدولي والوفاء بالتزاماتها الدولية.    

        بعد فشل الجهود الدولية ورفض إسرائيل الالتزام بقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة بخصوص تطبيق اتفاقية جنيف الرابعة في الأرض الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967 بما فيها القدس،  وبناء على قرار من الجمعية العامة عقدت الدول الأطراف المتعاقدة باتفاقية جنيف الرابعة مؤتمرها الأول في جنيف بتاريخ 9شباط /فبراير عام 1999 ،بشأن تدابير لانفاذ اتفاقية جنيف الرابعة في الأرض الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل بما فيها القدس الشرقية، ولكفالة احترامها وفقا للمادة الأولى المشتركة في الاتفاقيات الأربعة المعقودة سنة 1949.

        كما عقدت الأطراف السامية المتعاقدة في اتفاقية جنيف الرابعة مؤتمرها الثاني في شهر ديسمبر 2001 في جنيف أيضا. وفيما يلي ملخصا للبيانات والإعلانات التي صدرت عن المؤتمرين المذكورين.

1-التأكيد على انطباق اتفاقية جنيف الرابعة انطباقا قانونيا على الأرض الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل عام 1967 بما فيها القدس الشرقية .

2-التأكيد على أحكام المادة الأولى المشتركة بين الاتفاقيات الأربعة والتي تتعهد بموجبها الدول الأطراف باحترام وضمان احترام أحكام الاتفاقية في جميع الظروف.

3-التأكيد مجددا بأن المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967 بما فيها القدس الشرقية، غير شرعية  وتشكل انتهاكا خطيرا لأحكام المادة 49 من الاتفاقية والمادة 85 من البروتوكول الأول الملحق بها.

4-تدعو جميع أطراف النزاع الى احترام وضمان احترام أحكام الاتفاقية في جميع الظروف ، واتخاذ الإجراءات الضرورية لوقف ومنع انتهاكات الاتفاقية. وان الدول الأطراف تجدد تأكيدها على التزامات الدول المتعاقدة بموجب المادتين 147 و 148 من اتفاقية جنيف الرابعة.

5-إن الدول المتعاقدة المشاركة تدعو الدولة القائمة بالاحتلال الى احترام كامل وفعال لاتفاقية جنيف الرابعة في الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس، والتوقف عن ارتكاب أي انتهاك لهذه الاتفاقية. ويؤكدون مجددا عدم شرعية الاستيطان في الأراضي المذكورة وتوسيعه. ويجددون الدعوة الى ضمان وسلامة وصول السكان الى ألاماكن المقدسة. (15)

(إسرائيل رفضت نتائج المؤتمرين، ولم تلتزم بنداءات وإعلانات الدول الإطراف المتعاقدة في اتفاقية جنيف الرابعة).

محكمة العدل الدولية تؤكد الانطباق القانوني لاتفاقية جنيف الرابعة على الأرض الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1976 بما فيها القدس الشرقية

        أصدرت محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري بخصوص الجدار الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية بتاريخ 9تموز/ يوليو 2004، وأكدت المحكمة أن الجدار وكذلك الاستيطان الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، هي أعمال غير شرعية وباطلة ويجب إزالتها، لكونها تتعارض مع أحكام اتفاقية جنيف الرابعة التي تنطبق قانونيا على الأرض الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967. بل اعتبرت المحكمة أن الاستيطان والجدار الإسرائيلي هما من جرائم الحرب وفقا لأحكام القانون الدولي الإنساني وبشكل محدد اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 ويحولان دون ممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير المصير وهو أخطر ما يترتب على ارتكاب هاتين الجريمتين. (17)

(لم تبد إسرائيل أي استجابة لفتوى محكمة العدل الدولية وتجاهلتها واستمرت بإعمالها التي تنتهك أحكام اتفاقية جنيف الرابعة ومباديء القانون الدولي)

حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني والانتهاكات الإسرائيلية في القدس

        ارتقى مبدأ حق تقرير المصير للشعوب الى مستوى القاعدة الآمرة في القانون الدولي، حيث أكدت الأمم المتحدة هذا الحق في المادتين الأولى، والخامسة والخمسين من الميثاق، كما أكد العهدان الدوليان الخاصان بحقوق الإنسان في المادة الأولى المشتركة بينهما على هذا الحق ونصها كما يلي:- ( لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها، وهي بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي، وحرة في السعي لتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي).

        كما أكدت الجمعية العامة في قراراتها المتكررة بخصوص مسألة فلسطين أن حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني هو حق غير قابل للتصرف، وان حرمان أي شعب من الشعوب من هذا الحق من شأنه أن يعرض السلم والأمن الدوليين للخطر.

 في ضوء ما ورد ذكره جاءت فتوى محكمة العدل الدولية بخصوص الجدار الإسرائيلي لتؤكد بأن إنشاء الجدار وإقامة المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس، هي من الأعمال التي تحول دون ممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير المصير. وذلك في انتهاك جسيم لمباديء القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقا لميثاق الأمم المتحدة. (قرار الجمعية العامة رقم 2625(د25).

لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان  ومجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يؤكدان من خلال قراراتهما ذات الصلة وعلى مدى عشرات السنين انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأرض الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل عام 1967 عن طريق الحرب بما فيها القدس

نماذج من قرارات لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ذات الصلة

        منذ عام 1968أصدرت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ومن ثم مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فيما بعد ما يزيد عن ستين قرارا بخصوص الممارسات الإسرائيلية التي تنتهك أحكام القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس.  وقد تميزت هذه القرارات جميعها بالتأكيد على انطباق اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين في زمن الحرب على الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس، ومطالبة إسرائيل باحترام وتطبيق أحكام الاتفاقية المذكورة في الأرض الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل عام 1967.  وقد وردت معظم هذه القرارات في تقارير لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان على سبيل المثال:-

قرار اللجنة بتاريخ 22 آذار/ مارس عام 1972(د 28 ) أكدت فيه أن إسرائيل ترتكب جرائم حرب في الأرض الفلسطينية التي تحتلها منذ عام 1967.

بتاريخ 15 شباط/فبراير عام 1983 في قرارها بخصوص مذبحة صبرا وشاتيلا رقم 1983/3 (د39) أكدت اللجنة أن حكومة إسرائيل تتحمل المسئولية في تلك المذبحة التي تشكل جريمة ابادة جماعية.

 قرارها رقم (1985/1 ألف وباء د. 41 بتاريخ 19 شباط/فبراير 1985 والذي أدانت فيه سياسة إسرائيل وممارساتها التي تنتهك حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، مؤكدة انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأرض الفلسطينية بما فيها القدس الشرقية وطالبت حكومة إسرائيل بالوفاء لالتزاماتها الدولية والقبول بتطبيق الاتفاقية المذكورة في الأرض الفلسطينية المحتلة.(17). وكذلك قراراها رقم 1986/1 ألف و باء( د. 42 بتاريخ 20 شباط/فبراير 1986 والذي أكدت فيه من جديد انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأرض الفلسطينية بما فيها القدس الشرقية. (18) .

بتاريخ 17شباط/فبراير 1989 (د45) اتخذت اللجنة قرارها رقم 1989/2 أكدت فيه ارتكاب إسرائيل انتهاكات جسيمة لمباديء القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، والحريات الأساسية، وجرائم حرب بمقتضى القانون الدولي، وأكدت أن الاحتلال الإسرائيلي بحد ذاته للأرض الفلسطينية بما فيها القدس يشكل جرما مخلا بسلم الإنسانية وأمنها.

     إسرائيل ترتكب جرائم ضد الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس وفقا لقرارات لجنة حقوق الإنسان  

        بتاريخ 19 أكتوبر سنة 2000 عقدت لجنة حقوق الإنسان دورة خاصة استثنائية اثر دخول شارون الى المسجد الأقصى واعتمدت خلالها قرارها الشهير رقم 1/5 س الدورة الاستثنائية الطارئة الخامسة والذي أدانت فيه زيارة شارون الى المسجد الأقصى، كما أدانت في المادة الأولى من منطوق القرار المذكور، القتل المتعمد الذي ترتكبه سلطات الاحتلال الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة يشكل انتهاكا خطيرا للحق في الحياة كما يشكل جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية،  كما أكدت اللجنة في المادة الخامسة من المنطوق نفسه مرة أخرى على أن القتل المتعمد والمنظم للمدنيين والأطفال الفلسطينيين على يد سلطات الاحتلال الإسرائيلي يشكل جريمة ضد الإنسانية. وكانت اللجنة ووفقا للمادة الخامسة من ديباجة القرار قد أدانت زيارة أرييل شارون الى الحرم القدسي الشريف، والتي تسببت في أحداث مأساوية في القدس الشرقية المحتلة والأرض الفلسطينية المحتلة الأخرى، مما أدى الى قتل وجرح عدد كبير من المدنيين الفلسطينيين.

        (اشتملت جميع قرارات لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان منذ عام 1968والمتعلقة بالأرض الفلسطينية المحتلة، مطالبة إسرائيل بالتوقف عن الأعمال التي تنتهك مباديء القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، وحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، كما طالبتها بالوفاء لالتزاماتها الدولية بصفتها دولة عضوا في الأمم المتحدة، وكذلك هي من ضمن الدول الموقعة على اتفاقية جنيف الرابعة).

(إسرائيل رفضت جميع قرارات لجنة حقوق الإنسان، كما رفضت التعاون مع جميع اللجان المكلفة بتقصي الحقائق والتحقيق في الانتهاكات التي تمس حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، وكذلك فعلت مع المقررين الخاصين المعينين من اللجنة المذكورة لنفس الغرض).

 

الاتحاد الأوروبي – إعلان البندقية – بتاريخ 12/6/1980

        أعلن الاتحاد الأوروبي في بيانه الصادر عن اجتماع البندقية في التاريخ أعلاه وجاء فيه:” تعترف الدول الموقعة بالأهمية الخاصة التي تكتسبها قضية القدس، وإنها لا تقبل أي مبادرة تتخذ من جانب واحد وتستهدف تغيير وضعية القدس، وان أي اتفاق يخص وضعية القدس ينبغي أن يضمن للجميع حق حرية الدخول الى الأماكن المقدسة، هذا الى جانب تبنيه القرارات الدولية الصادرة في هذا الشأن. كما أكد بيان البندقية على ضرورة وضع إسرائيل حدا لاحتلال الأراضي العربية، بما فيها القدس، كما عبرت المجموعة عن يقينها بخطورته، واعتباره عقبة أمام مسيرة السلام في الشرق الأوسط. ومن ثم استمرت المجموعة الأوروبية متبنية لهذه المواقف حتى يومنا هذا.

م. ت. ف. والقانون الدولي الإنساني

        بينما كانت حكومات إسرائيل المتعاقبة تتنكر لالتزاماتها الدولية، وترفض الانصياع الى إرادة المجتمع الدولي، وتستخف بل وترفض قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة ولجنة حقوق الإنسان المتعلقة بانتهاكات سلطات الاحتلال الإسرائيلي للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل، فبينما كانت إسرائيل تفعل ذلك، شاركت منظمة التحرير الفلسطينية في أعمال المؤتمر الدبلوماسي الذي انعقد في جنيف سنة 1977، ووقع ممثلها في المؤتمر على الوثيقة الختامية التي تضمنت البروتوكولين الملحقين باتفاقيات جنيف الأربعة ،  وبذلك تكون المنظمة كحركة تحرر وطني، قد أكدت التزامها واحترامها لهذه الاتفاقيات وملحقاتها.

        من ناحية أخرى وتأكيدا على احترام المنظمة والتزامها بمباديء وأحكام هذه الاتفاقيات، وخلال العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان سنة 1978، بعثت قيادة المنظمة برسالة الى حكومة الاتحاد السويسري تبلغها فيها أن منظمة التحرير الفلسطينية ملتزمة بتطبيق أحكام الاتفاقيات المذكورة خلال مقاومتها للعدوان الإسرائيلي باعتبار أن حكومة الاتحاد السويسري هي الراعي والوديع لهذه الاتفاقيات.

دولة فلسطين والقانون الدولي الإنساني

        بعد إعلان قيام دولة فلسطين في 15/11/1988، وعملا بتحقيق الرغبة الدولية في دعوة الدول غير المنضمة الى هذه الاتفاقيات بأن تنضم إليها، قدمت دولة فلسطين من خلال اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية القائمة بأعمال حكومة الدولة، وثيقة طلب انضمام دولة فلسطين لاتفاقيات جنيف الى حكومة الاتحاد السويسري وذلك بتاريخ 21/6/1989

الولايات المتحدة وإسرائيل تمارس الضغوط المحمومة لإبطال مفعول انضمام فلسطين الى اتفاقيات جنيف الأربعة

        ما أن اتخذت دولة فلسطين الخطوة الأولى نحو الانضمام الى الاتفاقيات المذكورة حتى فتحت الولايات المتحد الأمريكية وإسرائيل كل أنواع الضغوط السياسية والتهديدات للدول ومن ضمنها حكومة الاتحاد السويسري لكي تبطل مفعول طلب الانضمام المذكور، ولذلك وفي مواجهة هذه الضغوط المحمومة على الدول وعلى حكومة سويسرا بشكل أساسي عززت دولة فلسطين طلب انضمامها الى الاتفاقيات سالفة الذكر باستصدار قرار من مؤتمر قمة دول عدم الانحياز(120 دولة) المنعقد في بلغراد – يوغوسلافيا يرحب بطلب دولة فلسطين الانضمام الى اتفاقيات جنيف الأربعة، ويعتبر أن هذه الخطوة تعزز المسعى نحو السلام في المنطقة،  ومن أجل نفس الغرض أصدرت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان قرارا يرحب بانضمام فلسطين الى هذه الاتفاقيات، كما رحبت أيضا لجنة الأمم المتحدة لمنع التمييز وحماية الأقليات والمكونة من خبراء قانونيين بطلب فلسطين الانضمام الى الاتفاقيات المذكورة من خلال قرارها بخصوص الأرض المحتلة. وكان ممثل فلسطين لدى الأمم المتحدة في جنيف آنذاك قد أبلغ حكومة الاتحاد السويسري بالقرارات المذكورة.

الدور السويسري في هذه المسألة

        وفقا للمادة 77 من اتفاقية فينا لقانون المعاهدات، كان على الحكومة السويسرية أن تقوم بتعميم وثيقة طلب الانضمام على الدول الأطراف دون أن تبدي رأيها الخاص في هذا الشأن، ومن ثم تتلقى هي ردود الدول المعنية بخصوص طلب الانضمام، على أن تبلغ السكرتير العام للأمم المتحدة بنتيجة العملية كلها في الوقت المحدد لها. وحكومة سويسرا وهي الوديع للاتفاقيات لا يدخل ضمن صلاحياتها بصفتها الدولة الوديع إبداء رأيها الخاص بأي طلب انضمام لأية دولة، وإنما ذلك هو من واجبات وصلاحيات الدول الأطراف فقط، أما إذا تصرفت كدولة طرف فيجوز لها ذلك ولكن في مجال الموقف الذاتي لحكومة الاتحاد السويسري بحكم كونها طرفا من الأطراف المتعاقدة وليس بكونها وديعا للاتفاقيات.

        غير أن حكومة الاتحاد السويسري التي قامت بتوزيع وثيقة طلب الانضمام على الدول الأعضاء قد أرفقت رأيها الخاص في هذه المسألة مع إخطار الدول الأطراف بتاريخ13/9/1989 بما يفيد أن الاتحاد السويسري لم يكن في وضع يجعله يقرر إذا ما كان طلب فلسطين بالانضمام الى الاتفاقيات المذكورة يشكل صك تصديق ” نظرا لعدم اليقين بداخل المجتمع الدولي بوجود أو عدم وجود دولة فلسطين”.

        كانت تلك أشارة سلبية من الدولة الوديع للاتفاقيات، وهو ما أرجا البت بشأن انضمام دولة فلسطين لتلك الاتفاقيات الى الآن. وما كان لحكومة سويسرا أن  تفعل ذلك لو أحسنت التزامها كوديع للاتفاقيات وفقا لأحكام اتفاقية فينا لقانون المعاهدات، ولم تخضع للضغوط الأمريكية والإسرائيلية،  ولكن يبدو أن حجم الضغوط كان لا يسمح لها بذلك، وهي الدولة الصديقة للشعب الفلسطيني ومن الدول المدافعة عن حقوقه وخصوصا حقه في تقرير المصير وانطباق اتفاقية جنيف على الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967. 

الأرض الفلسطينية بما فيها القدس هي أرض محتلة وفقا لقرارات الهيئات الدولية وأحكام القانون الدولي الإنساني، ومباديء القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية بين الدول وفقا لميثاق الأمم المتحدة

        إذن وفقا لما ورد أعلاه أكد مجلس الأمن كما أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة من خلال قراراتهما ذات الصلة، وكذلك الدول الأطراف السامية المتعاقدة في اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين في زمن الحرب والبروتوكول الأول الملحق بها وفقا للبيانات الصادرة عن مؤتمريها المشار اليهما سابقا، ثم محكمة العدل الدولية عبر رأيها الاستشاري الصادر بتاريخ 9 يوليو/ تموز 2004، وكل من لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وبعد ذلك مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وقبل ذلك الاتحاد الأوروبي من خلال بيان البندقية، ودول حركة عدم الانحياز عبر قرارات مؤتمرات قمة هذه الحركة، أن الأرض الفلسطينية بما فيها القدس الشرقية والتي وقعت تحت الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب حزيران عام 1967، من الناحية القانونية هي ارض محتلة وتنطبق عليها أحكام اتفاقية جنيف الرابعة المعقودة عام 1949، وبالتالي فان الفلسطينيين الذين يعيشون على هذه الأرض تحت الاحتلال الإسرائيلي هم مشمولين بحماية الاتفاقية المذكورة.

جميع الإجراءات الإسرائيلية في مدينة القدس وفي الأرض الفلسطينية المحتلة منذ 1967 هي إجراءات باطلة وفق الصكوك والقرارات الدولية المذكورة وبموجب القانون الدولي الإنساني وأحكامه

        ما ورد أعلاه يعني أن ما قامت به حكومات إسرائيل في مدينة القدس منذ احتلالها لها سنة 1967 بدءا من قرار ضم القدس بإصدار القانون الأساس، واعتبار القدس عاصمة موحدة لإسرائيل، وتغيير معالمها الجغرافية والديمغرافية والمؤسسية، وتدمير منازل الفلسطينيين فيها، (2000) منزل منذ عام 1967 وفقا لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة، والتوغل في أعمال الحفريات تحت المسجد الأقصى وتحت المدينة بما يعرض أساسات البناء فيها الى الخلخلة والتصدع بحيث يصبح دمار المدينة مرهونا بأي اهتزاز قد ينشأ عن هزة طبيعية أو غير ذلك،  واحاطة مدينة القدس بالمستعمرات الاستيطانية اليهودية، والاستيلاء على منازل الفلسطينيين واغتصاب الأرض في المدينة وحولها، وفرض القيود المشددة على الفلسطينيين للبناء في المدينة وفي محيطها، وكل أساليب التضييق على الفلسطينيين من أهل القدس كفرض الضرائب الباهظة عليهم (الأرنونة) ومصادرة الأراضي فيها، ومنع أبناء القدس من العودة الى مدينتهم عند مغادرتهم الى الخارج وعزل المدينة عن محيطها الفلسطيني، وجميع الأعمال التي تستهدف المسجد الأقصى من اقتحامات واعتداءات، وجعله مرتعا للمستوطنين الإسرائيليين حينما يشاءون تمهيدا لتقسيمه كما حدث للحرم الإبراهيمي في الخليل، أنما هي أعمال عدوان باطلة وفقا لمباديء القانون الدولي العام وأحكام القانون الدولي الإنساني والقرارات الصادرة عن الهيئات والمؤسسات الدولية المذكورة، وإسرائيل ترتكب هذه الأعمال والجرائم بهدف دفع أهالي مدينة القدس من الفلسطينيين الى درجة اليأس من الحياة في المدينة والبحث عن وسائل الهجرة والخروج منها بما يتفق مع تطلعات إسرائيل ونواياها تجاه المدينة المقدسة والتي تتمحور حول تهجير أكبر عدد ممكن من سكانها الفلسطينيين لتسهيل السيطرة عليها وابتلاعها من خلال ضم أكبر مساحة من الأرض مع أقل عدد من السكان الفلسطينيين، للمحافظة على أكثرية يهودية في المدينة.

 

إن هذه الإجراءات والأعمال الإسرائيلية لا أساس قانوني لها وبالتالي فهي أعمال وإجراءات باطلة وذلك لسببين اثنين:-

السبب الأول هو إن هذه الإجراءات قد صدرت عن قوة احتلال، والاحتلال العسكري، هو وضع مؤقت ولا ينشيء حقا للقوة المحتلة، كما انه عمل عدواني وباطل وفقا لتعريف العدوان الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 3314 بتاريخ 14 كانون الأول/ديسمبر (20)، وكل ما ينشأ عن الباطل فهو باطل حكما.

 السبب الثاني هو أن هذه الإجراءات الاسرائلية في مدينة القدس كما هو الحال في بقية الأرض الفلسطينية المحتلة،  تتعارض مع أحكام اتفاقية جنيف الرابعة التي تنطبق على الأرض الفلسطينية باعتبارها أرضا فلسطينية محتلة، بل تشكل انتهاكات جسيمة لأحكامها ومبادئها كما إنها تشكل انتهاكات جسيمة لأحكام ومباديء القانون الدولي الإنساني، وهي التي تصل بخطورتها الى مستوى جرائم الحرب، وفقا لاتفاقية جنيف الرابعة، بل الى مستوى الجرائم ضد الإنسانية، وفقا لقرارات لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان منذ عام 1968، وتقارير المقررين الخاصين التابعين للأمم المتحدة، على مدى العشرين سنة الماضية أي منذ عام 1993.

التطهير العرقي والقانون الدولي

        لم يتحدث القانون الدولي الإنساني، ولا القانون الدولي العام، ولا نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية عن التطهير العرقي ، لأن التطهير العرقي في حقيقته وبطبيعته مرتبط بارتكاب مجموعة من الجرائم، كجريمة التمييز العنصري، وجريمة الفصل العنصري (الأبارتايد)، وجرائم الحرب بما في ذلك هدم المنازل، واستيلاء على الأرض، والاعتداء على ألاماكن المقدسة، وتهجير الأهالي، أو إقصاءهم وحرمانهم من العودة الى وطنهم وبلدهم وممتلكاتهم بهدف تفريغها من عرق معين، وجرائم الابادة الجماعية،  وبالتالي تشكل جريمة التطهير العرقي جريمة مركبة من مجموع الجرائم التي ترتكب بهدف الوصول الى التطهير العرقي الذي يشكل في النهاية جريمة ضد الانسانية.

جريمة التطهير العرقي هي  جريمة مركبة

       عادة ما يرتبط التطهير العرقي بهدف التخلص من مجموعة معينة، أو شعب معين عن طريق القتل أو الابادة أو عن طريق التهجير والإبعاد أو الإقصاء،  ويكون التطهير العرقي في هذه الحالة أبشع الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، لأنه يتأسس ويتحقق عن طريق ارتكاب مجموعه من الجرائم كجريمة القتل العمد، أو الإقصاء والتهجير والإبعاد، كجرائم مباشرة للتخلص من الفئة المستهدفة،  وجرائم هدم المنازل والأحياء والمؤسسات، والإرهاب والترويع، والتضييق على سبل الحياة والمعيشة، والاعتداء على أماكن العبادة والمقدسات، وسن القوانين المجحفة بحق المواطنين كجرائم غير مباشرة لتيئيس المواطنين وإجبارهم على ترك مدينتهم والهجرة الى الخارج. كما يحدث الآن في مدينة القدس، لتفريغ المدينة من الفلسطينيين.

        هذه السياسة والمنهجية الصهيونية في التعامل مع الشعب الفلسطيني والهادفة الى تفريغ الأرض من الفلسطينيين من أجل الاستيلاء عليها وضخ يهود العالم إليها، هي سياسة قائمة على نظرية البديل الصهيونية ومفاهيم العنصرية وجريمة التطهير العرقي كتطبيق عملي لنظرية البديل الصهيونية في فلسطين.

إسرائيل والتطهير العرقي في فلسطين

        (انتهجت إسرائيل في فلسطين التاريخية من سنة1948 سياسة لا يمكن لأحد أن ينفيها أو يتجاهلها عرفت تحت اسم ” التطهير العرقي ” إذ كان القادة الصهاينة يصدرون أوامر تقضي بتطهير المناطق التي كانت تستولي عليها قواتهم من مواطنيها الفلسطينيين، وذلك من اجل إيجاد مجتمع متجانس عرقيا ويقتصر على اليهود )(21).

        (التطهير العرقي لفلسطين هو مصطلح يشير الى عمليات قامت بها الحركة الصهيونية لطرد العرب الفلسطينيين من أجل تطبيق خطتها طويلة الأمد لتطهير فلسطين من سكانها الفلسطينيين ولتأسيس دولة يهودية هناك بوجود أقل عدد ممكن من العرب.)(22).

ارتكاب المجازر والقتل الجماعي كان أحد أساليب التطهير العرقي لتفريغ فلسطين من  أبنائها  الفلسطينيين

        يقول ميناحيم بيغن في كتابه الثورة ” لولا مذبحة دير ياسين (قرية فلسطينية قرب القدس) لما قامت دولة إسرائيل” وهو يشير هنا الى المذبحة المروعة التي ارتكبتها العصابتان الصهيونيتان (أرغون وشتيرين) في اليوم التاسع من شهر نيسان/ ابريل سنة 1948، فقتلتا خلالها معظم أهالي هذه القرية الفلسطينية الآمنة والبالغ عددهم 250 ضحية، ومثلت بجثث القتلى رجالا ونساء وأطفالا مما أوجد الرعب عند العديد من الأهالي والمدنيين، ما أجبر الناس على ترك أماكن سكناهم والابتعاد عن أرضهم ووطنهم حرصا على أرواح عائلاتهم وأبنائهم، وحماية لأعراضهم من بطش واعتداءات العصابات الصهيونية على الفلسطينيين الآمنين. وتقول الموسوعة الحرة في موقعها الالكتروني، (أن مذبحة دير ياسين كانت عاملا مهما في الهجرة الفلسطينية الى مناطق أخرى من فلسطين والبلاد العربية لما سببته المذبحة من حالة رعب وهلع عند المدنيين الفلسطينيين).

        (ويكشف كتاب التطهير العرقي في فلسطين لمؤلفه – ايلان بابه- عن عمليات التطهير العرقي هناك سنة 1948، وكيف كان الترحيل والتطهير العرقي جزءا جوهريا من استراتيجيا الحركة الصهيونية. وينقض المؤلف الرواية الإسرائيلية عن حرب 1948 ليؤكد أن طرد الفلسطينيين لم يكن مجرد هروب جماعي وطوعي للسكان بل خطة مفصلة جرى وضع اللمسات النهائية عليها في اجتماع عقده ديفيد بن غوريون في تل أبيب يوم10/3/1948 بحضور عشرة من القادة الصهاينة، وتضمنت أوامر صريحة لوحدات الهاغاناة باستخدام شتى الأساليب لتنفيذ هذه الخطة ومنها: إثارة الرعب، وقصف القرى والمراكز السكنية، وحرق المنازل، وهدم البيوت، وزرع الألغام في الأنقاض لمنع المطرودين من العودة الى منازلهم، وقد استغرق تنفيذ تلك الخطة ستة أشهر. ومع اكتمال التنفيذ كان نحو 800 ألف فلسطيني قد أرغموا على الهجرة الى الدول المجاورة، ودمرت 531 قرية، واخلي أحد عشر حيا مدنيا من سكانه بحسب ما يصفها ايلان بابه، تعتبر من وجهة نظر القانون الدولي، “جريمة ضد الإنسانية”). (23).

التطهير العرقي في القدس هو جزء من التطهير العرقي في فلسطين

        لقد أتينا على مسألة التطهير العرقي في فلسطين ودوافعها وأهدافها، لكي نفهم مسألة التطهير العرقي في القدس باعتبار أن مدينة القدس هي مدينة فلسطينية احتلت العصابات الصهيونية نصفها الغربي سنة 1948، ثم احتلت نصفها الشرقي خلال حرب عام 1967، كما تعاملت مع المدن والقرى الفلسطينية الأخرى، غير أن مدينة القدس الشرقية نظرا لأهميتها التاريخية والدينية الخاصة، واجهت وتعرضت الى أبشع ألأساليب الإسرائيلية وحشية وبشاعة، وأخضعتها إسرائيل الى مختلف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية من ترويع وإرهاب وقتل المدنيين وتهجير وإبعاد الأهالي من الفلسطينيين، وتدمير للمنازل، وأساليب النهب والسلب للممتلكات، والاستيلاء على الأراضي، وإقامة المستوطنات حولها (القدس الكبرى) وفرض الضرائب الباهظة والتضييق على الحياة اليومية للناس وغير ذلك من أساليب القمع والإرهاب لإجبار أهل القدس على ترك مدينتهم ليسهل تهويدها وفق تطلعات إسرائيل وأهدافها نحو المدينة وفلسطين عموما بالاستيلاء والسطو والتهويد وتحقيق الهدف الصهيوني في ترسيخ نظرية البديل التي أنشأت اسر ائيل على أساسها وهي (إسرائيل بديل لفلسطين، واليهود بديل للشعب الفلسطيني).

        يقول د. نزار أيوب في دراسته بعنوان (التهجير ألقسري والتطهير العرقي – انتهاكات إسرائيل لحق الفلسطينيين في الإقامة في القدس-)

 ” تبين لنا من خلال هذه الدراسة أن تعريف التطهير العرقي ينطبق على السياسات التي تنتهجها السلطات الإسرائيلية مستهدفة الوجود الفلسطيني في القدس، ويضمنها حظر جمع شمل العائلات الفلسطينية، وهدم المنازل، وإلغاء حق إقامة الفلسطينيين في القدس، والاستيلاء على الأراضي، والمعوقات المفروضة على البناء، والحد من حرية الحركة والتنقل، بما في ذلك الدخول الى القدس والخروج منها بحرية. الجدير بالذكر أن هذه السياسات وما يرتبط بها من إجراءات تؤدي الى تهجير قسري للمقدسيين وتتسبب بانتهاكات خطيرة للحقوق المكفولة بموجب اتفاقيات حقوق الإنسان المختلفة. ومنها حق الفلسطينيين في الإقامة في القدس والحق في الاسم والجنسية ، واختيار مكان الإقامة، وحرية الحركة والتنقل, والحق في العيش بحرية وكرامة، وفي بيئة أسرية سليمة وكريمة، والحق في تلقي الخدمات الصحية، والحق في التعليم وفي الترعرع والنمو تحت كنف الوالدين، وفي بيئة أسرية هادئة وسليمة “.(24)    

الخلاصة:

        وفقا للمعايير الدولية، وبشكل خاص أحكام القانون الدولي الإنساني، ومباديء القانون الدولي العام المتعلقة بالعلاقات الودية بين الدول وفقا لميثاق الأمم المتحدة، ومقاصد الأمم المتحدة وأحكام ميثاقها، وإعلان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان،  وإعلان الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري بكافة أشكاله الصادر بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1904 (دورة 18) بتاريخ 20/11/1963 يمكن تكييف الانتهاكات الإسرائيلية في القدس كمدينة من ناحية، وتجاه سكانها من الفلسطينيين وفقا لما ورد أعلاه، منذ احتلالها عسكريا سنة 1967من ناحية أخرى، على أنها أعمال تتعارض كليا مع أحكام اتفاقية لاهاي الخاصة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية، والمعقودة في 18 أكتوبر 1907، وأحكام اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين في زمن الحرب لعام 1949،  والبروتوكول الملحق الأول باتفاقيات جنيف الأربعة،  كما تتعارض كليا مع مباديء القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية بين الدول وفقا لميثاق الأمم المتحدة، كما تتعارض مع أحكام العهدين الدوليين الخاصين بحقوق الإنسان، وكذلك تتعارض مع الإعلان العالمي الحقوق الإنسان الصادر في 10 ديسمبر 1948 بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما تتعارض مع أهداف الأمم المتحدة ومقاصدها وتنتهك أحكام الميثاق.

المراجع

!-المادة 50 من اتفاقية جنيف الأولى، والمادة147 من الاتفاقية الرابعة.

2-المادة 49 من الاتفاقية الرابعة

3-المادة 85 من البروتوكول الملحق الأول بالاتفاقيات الأربعة.

4-المادة 33 من الاتفاقية الرابعة

5-المادة 53 من الاتفاقية الرابعة 

6-عمليات الإخلاء ألقسري وهدم المنازل( تقرير مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ) المقدم الى مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في دورته الثانية عشرة بتاريخ 19/8/2009 بجنيف.

7-  المادة 53 من البروتوكول الملحق الأول بالاتفاقيات الاربعة

8-  مرجع سابق –البروتوكول الملحق الاول

9- المادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة

10-  المادة 53 من البروتوكول الملحق الأول

11- قرار مجلس الأمن رق4م 242 الصادر في نوفمبر 1967

12-  قرار مجلس الأمن رقم 250 الصادر بتاريخ27 ابريل سنة 1968

13-  المادة 85 من البروتوكول الملحق الأول

14-  قرارات مجلس الأمن الخاصة بفلسطين – وثائق الأمم المتحدة

15-  وثائق الدورة الستون للجمعية العامة

16-  بيان اللجنة الدولية للصليب الأحمر بخصوص المؤتمر الثاني للدول الأطراف السامية المتعاقدة فلي اتفاقية جنيف الرابعة المنعقد في جنيف

17-  فتوى محكمة العدل الدولية الصادرة في 4 يوليو /تموز 2004 بخصوص الجدار الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة

18-   قرار لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان رقم 1985/1 الصادر بتاريخ 19 شباط/فبراير 1985 دورة 41.

19-  المرجع السابق

20-  وثائق الجلسة العامة2319 للجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 14 كانون الأول/ديسمبر1974

21-  التطهير العرقي في القدس – نزار أيوب -  موقع الكتروني

22-  الموسوعة الحرة – موقع الكتروني    

23-  ايلان بابه مؤرخ إسرائيلي ومحاضر رفيع المستوى في العلوم السياسية في جامعة حيفا، وهو أيضا المدير الأكاديمي لمعهد غفعات حبيبا لدراسات السلام، ورئيس معهد إميل توما للدراسات الفلسطينية في حيفا.

24_   نزار أيوب – المصدر السابق


Comments are closed.

  • A A A
  • أرشيف الموقع